شكيب أرسلان
94
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
على أن لا يقطعوا الماء عن الحاجّ ، فلما توفي الرّجل رحمة اللّه عليه عادوا إلى عاداتهم الذميمة من قطعه . ومن مفاخره ومناقبه أيضا أنّه جعل مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلم تحت سورين عميقين ، أنفق فيهما أموالا لا تحصى كثرة . ومن أعجب ما وفّقه اللّه تعالى إليه أنّه جدّد أبواب الحرم كلّها ، وجدّد باب الكعبة المقدسة ، وغشّاه فضة مذهبة ، وهو الذي فيها الآن ، حسبما تقدّم وصفه ، وجلّل العتبة المباركة بلوح ذهب إبريز ، وقد تقدّم ذكره أيضا ، فأخذ الباب القديم ، وأمر بأن يصنع له منه تابوت يدفن فيه ، فلما حانت وفاته ، أوصى بأن يوضع في ذلك التابوت المبارك ، ويحجّ به ميتا ، فسيق إلى عرفات ، ووقف به على بعد ، وكشف عن التابوت ، فلما أفاض النّاس ، أفيض به ، وقضيت له المناسك كلها ، وطيف به طواف الإفاضة ، وكان الرجل رحمه اللّه لم يحج في حياته « 1 » . ثم حمل إلى مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وله فيها من الآثار الكريمة ما قدّمنا ذكره ، وكاد أشرافها يحملونه على رؤوسهم ، وبنبت له روضة بإزاء روضة المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، وفتح فيها موضع يلاحظ الروضة المقدسة ، وأبيح له ذلك - على شدّة الضّنانة بمثله - لسابق أفعاله الكريمة ، ودفن في تلك الروضة ، وأسعده اللّه بالجوار الكريم ، وخصّه بالمواراة في تربة التقديس والتعظيم ، واللّه لا يضيع أجر المحسنين . ا ه .
--> ( 1 ) هذه الأعمال من نبش القبر ، والسفر بالجثة أو العظام وأعمال المناسك والزيارة والندب كلّها محرّمة في الإسلام ، فهل أنكرها العلماء ولم يسمع لهم كلام ؟ أم اشتركوا مع الحكام والعوام ؟ والعبرة في هذا أنّ بذل المال في المنافع العامة ولا سيّما عمران الحرمين الشريفين ، وتسهيل الحج ، والزيارة فيهما ، له أكبر شأن في قلوب المسلمين ، ويكبرون من شأن صاحبه حيا وميتا ما يرفعونه على العلماء والخلفاء والسلاطين . مصححه